الشوكاني
515
فتح القدير
عليه وآله وسلم " احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن ، فحشد من حشد ، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ ( قل هو الله أحد ) ثم دخل ، فقال بعضنا لبعض : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن ، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إني قلت سأقرأ عليكم ثلث القرآن ، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن " . وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن " يعني ( قل هو الله أحد ) . وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما من حديث أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه " أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ؟ فشق ذلك عليهم وقالوا : أينا يطيق ذلك ؟ فقال : الله الواحد الصمد ثلث القرآن " . وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي الدرداء نحوه . وقد روى نحو هذا بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة وحديث ابن مسعود ، وحديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وروى نحو هذا عن غير هؤلاء بأسانيد بعضها حسن وبعضها ضعيف ، ولو لم يرد في فضل هذه السورة إلا حديث عائشة عند البخاري ومسلم وغيرهما " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث رجلا في سرية ، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد ، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : سلوه لأي شئ يصنع ذلك ؟ فسألوه فقال : لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها ، فقال : أخبروه أن الله تعالى يحبه " هذا لفظ البخاري في كتاب التوحيد . وأخرج البخاري أيضا في كتاب الصلاة من حديث أنس قال " كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء ، فكان كلما افتتح سورة فقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها ، ثم يقرأ سورة أخرى معها ، وكان يصنع ذلك في كل ركعة ، فكلمه أصحابه فقالوا : إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى . فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى ، قال : ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت ، وإن كرهتم تركتكم ، وكانوا يرون أنه من أفضلهم فكرهوا أن يؤمهم غيره ، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبروه الخبر ، فقال : يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟ فقال : إني أحبها ، قال : حبك إياها أدخلك الجنة " وقد روى بهذا اللفظ من غير وجه عند غير البخاري . سورة الاخلاص ( 1 - 4 ) قوله ( قل هو الله أحد ) الضمير يجوز أن يكون عائدا إلى ما يفهم من السياق لما قدمنا من بيان سبب النزول ، وأن المشركين قالوا : يا محمد انسب لنا ربك ، فيكون مبتدأ ، والله مبتدأ ثان ، وأحد خبر المبتدأ الثاني ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، ويجوز أن يكون الله بدلا من هو ، والخبر أحد . ويجوز أن يكون الله خبرا أول ، وأحد خبرا ثانيا ، ويجوز أن يكون أحد خبرا لمبتدأ محذوف : أي هو أحد . ويجوز أن يكون هو ضمير شأن لأنه موضع تعظيم ، والجملة بعده مفسرة له وخبر عنه ، والأول أولى . قال الزجاج : هو كناية عن ذكر الله ، والمعنى : إن سألتم تبيين نسبته هو الله أحد ، قيل وهمزة أحد بدل من الواو وأصله واحد . وقال أبو البقاء : همزة أحد أصل بنفسها غير مقلوبة ، وذكر أن أحد يفيد العموم دون واحد ، ومما يفيد الفرق بينهما ما قاله الأزهري : أنه لا يوصف بالأحدية غير الله تعالى ، لا يقال رجل أحد ، ولا درهم أحد ، كما يقال رجل واحد ودرهم واحد ،